27.8.15

ذكاء قاضى



القاضى الذكى ( ذكاء قاضى )

       حكى أن جعفر البرمكى نادم الرشيد ليلة ، فقال الرشيد :  " يا جعفر بلغنى أنك اشتريت الجارية الفلانية ولى مدة اتطلبها فبعها لى ". فقال : " لاأبيعها يا أمير المؤمنين " . فقال: " هبها لى " . فقال : " لاأهبها " ، فقال الرشيد : " زبيدة طالق ثلاثا إن لم تبعها لى أو تهبها لى " .
     قال جعفر : " زوجتى طالق ثلاثا إن بعتها أو وهبتها لك " . ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا فى أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة ، فقال الرشيد : " هذه واقعة ليس لها غير أبى يوسف " ، فطلبوه وكان ذلك فى نصف الليل ، فلما جاء الرسول قام فزعا وقال فى نفسه :" ما طلبت إلا لأمر حدث فى الإسلام " ، ثم خرج مسرعا وركب بغلته وقال لغلامه : " خذ معك مخلاة البغلة لعلها لم تستوف عليقها ، فإذا دخلنا دار الخلافة فضع لها المخلاة حتى تأكل ما بقى من عليقها إلى حين خروجى " ، فقال الغلام : " سمعا وطاعة " .
     فلما دخل على الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه أحدا غيره وقال له : " ما طلبناك فى هذا الوقت إلا لأمر مهم وهو كذا وكذا ، وقد عجزنا عن تدبير الحيلة " . فقال : " يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر أسهل ما يكون عندى " . ثم قال : " يا جعفر ، بع لأمير المؤمنين نصفها وهب نصفها وتبران فى يمنيكما بذلك ". ففرح أمير المؤمنين بذلك وفعلا ما أمرهما به .
     ثم قال الرشيد : " أريد أن أتزوج بالجارية فى هذا الوقت " ، فقال أبو يوسف : " ائتونى بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذى لم يجر عليهم العتق " ، فأحضروا مملوكا ، فقال أبو يوسف : " ائذن لى أن أزوجها منه ثم يطلقها فيحل أن تهدى لك فى هذا الوقت من غير استبراء " ، فأعجب الرشيد بذلك أكثر من الأول ، فلما حضر المملوك قال الخليفة للقاضى : " أذنت لك فى العقد " ، فأوجب القاضى الزواج ثم قبله المملوك ، وبعد ذلك قال له القاضى : " طلقها ولك مائة دينار "، فقال: " لا أفعل " ، ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار ، ثم قال للقاضى :" هل الطلاق بيدى أم بيدك أم بيد أمير المؤمنين ؟ " . قال : " بل بيدك ". قال : " والله لا أفعل أبدا " .
     فاشتد غضب أمير المؤمنين وقال : " ما الحيلة يا أبا يوسف ؟ " قال القاضى : " يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين ، ملك هذا المملوك للجارية " ، قال : " ملكته لها ". فقال لها القاضى : " قولى قبلت " ، فقالت : " قبلت "، فقال القاضى : " حكمت بينهما بالتفريق لأنه دخل فى ملكها فانفسخ الزواج ".
     فقام أمير المؤمنين على قدميه وقال : " مثلك من يكون قاضيا فى زمانى "، واستعدى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه وقال للقاضى : " هل معك شئ تضعه فيه ؟ " فتذكر مخلاة البغلة فاستدعى بها ، فملئت له ذهبا فإخذها وانصرف إلى بيته ، فلما أصبح قال لأصحابه :" لاطريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم فإنى أعطيت هذا المال العظيم فى مسألتين أو ثلاث "، فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن منها دلال الوزير على الرشيد وعلم الخليفة وزيادة علم القاضى. فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق