(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )
حكاية الرجل الصالح فى بنى إسرائيل
حكى انه كان فى بنى إسرائيل رجل من خيارهم وقد اجتهد فى عبادة ربه ،وزهد فى دنياه وازالها عن قلبه .
وكانت له زوجة مساعدة له على شأنه ، مطيعة له فى كل زمانه ، وكانا يعيشان من عمل الأطباق والمراوح يعملان النهار كله ، فإذا كان آخر النهار خرج الرجل بما عملاه فى يده ومشى به يمر على الأزقة والطرق يلتمس مشتريا يبيع له ذلك ، وكانا يديمان الصوم ،فأصبحا فى يوم من الأيام وهما صائمان وقد عملا يومهما ذلك ، فلما كان آخر النهار خرج الرجل على عادته وبيده ما عملاه يطلب من يشتريه منه ، فمر بباب أحد أبناء الدنيا وأهل الرفاهية والجاه وكان الرجل وضئ الوجه ، جميل الصورة ، فرأته امراة صاحب الدار فمال قلبها اليه وكان زروجها غائبا ‘ فدعت خادمتها وقالت لها : لعلك تتحلين على ذلك الرجل لتأتى به إلينا فخرجت الخادمة إليه ودعته لتشترى منه ما بيده وردته من طريقة ، وقالت : ادخل فان سيدتى تريد أن تشترى من هذا الذى بيدك شيئا بعد ان تختبره وتنظر اليه .
فتخيل الرجل انها صادقة فى قولها ولم ير فى ذلك بأسا فدخل وجلس كما امرته ، فأغلقت الباب وخرجت سيدتها من بيتها وادخلته وقالت له : هذا البيت مبخر والطعام محضر وصاحب الدار غائب فى هذه الليلة وانا قد وهبت لك نفسى ،ولطالما طلبتنى الملوك والرؤساء واصحاب الدنيا ولم التفت لاحد منهم . وطال امرها فى القول والرجل لا يرفع رأسه من الأرض حياء من الله تعالى وخوفا من اليم عقابه كما قال الشاعر :
ورب كبيرة ما حال بينى وبين ركوبها إلا الحياء
وكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء
قالت : وما هو ؟
قال : أريد ماء طاهرا أصعد به إلى أعلى موضع فى دارك لأقضى به أمرا وأغسل به درنا .
فقالت : الدار متسعة ولها خبايا وزوايا وبيت الطهرة معد .
فقال : ما غرضى إلا الإرتفاع .
فقالت لخادمتها : اصعدى به الى المنظرة العليا من الدار .
فصعدت به إلى أعلى موضع فيها ودفعت له آنية الماء ونزلت ، فتوضأ الرجل وصلى ركعتين ونظر الى الأرض ليلقى نفسه فرآها بعيدة فخاف أن لا يصل إليها إلا وقد تمزق .
ثم فكر فى معصية الله وعقابه ، فهان عليه بذل نفسه وسفك دمه فقال : إلهى وسيدى ترى ما نزل بى ولا يخفى عليك حالى إنك على كل شئ قدير ، وانشد يقول :
أشار القلب نحوك والضمير وسر السر انت به خبير
وإنى ان نطقت بكم انادى وفى وقت السكوت لكم اشير
أيا من لا يضاف اليه ث أتاك الواله الصب الفقيـــر
ولى امل تحققه ظنونى ولى قبل كما تدرى يطير
وبذل النفس اصعب ما يلاقى فإن قدرته فهو اليسير
و إن تمنن ومنحنى خلاصى فأنت عليه يا أملى قدير
ثم إن الرجل ألقى نفسه من أعلى المنظرة . فبعث الله إليه ملكا احتمله على جناحة و أنزله إلى الأرض سالما دون أن يناله ما يؤذيه . فلما استقر بالأرض حمد الله عزوجل على ما أولاه من عصمته وما أناله من رحمته ، وسار دون شئ ألى زوجته وكان قد أبطأ عنها فدخل وليس معه شئ .
فسألته عن سبب بطئه وعما خرج به فى يده وما فعل به وكيف رجع بدون شئ .
فأخبرها بما عرض له من الفتنة وأنه ألقى نفسه من ذلك الموضع فنجاه الله ، فقالت زوجته : الحمد لله الذى صرف عنك الفتنة ، وحال بينك وبين المحنة .
ثم قالت : يا رجل إن الجيران قد تعودوا منا أن نوقد تنورنا فى كل ليلة فإن رأونا الليلة دون نار علموا أننا بلا شئ ومن شكر الله كتم ما نحن فيه من الخصاصة ووصال صوم هذه الليلة باليوم الماضى وقيامها لله تعالى . فقامت الى التنور وملأته حطبا وأضرمته لتغالط به الجارات (لتجارى جارتها ) ، وأنشدت تقول هذه الأبيات :
سأكتم ما بى من غرامى وأشجانى وأضرم نارى كى أغالط جيرانى
وأرضى بما أمضى من الحكم سيدى عساه يرى ذلى إليه فيرضانى
فقالا لها : شأنك والتنور ( رحبا بها ).
فلما دنت المرأة من التنور لتأخذ النار نادت : يا فلانة أدركى خبزك قبل أن يحترق .
فقالت امرأة الرجل لزوجها : أسمعت ما تقول هذه المرأة ؟
فقال : قومى وانظرى ، فقامت وتوجهت الى التنور فاذا هو قد امتلأ من خبز نقى أبيض ، فأخذت المرأة الأرغفة ودخلت علي زوجها وهى تشكر الله عز وجل على ما أولى من الخير العميم والمن الجسيم ، فأكلا من الخبز وشربا من الماء وحمدا الله تعالى .
ثم قالت المرأة لزوجها تعال ندع الله تعالى عسى يمن علينا بشئ يغنينا عن كد المعيشة وتعب العمل ويعيننا به على عبادته والقيام بطاعته ، قال لها : نعم ، فدعا الرجل ربه وأمنت المرأة على دعائه . فإذا السقف قد انفرج ونزلت ياقوتة أضاء البيت من نورها فزادا شكرا وثناء وسرا بتلك الياقوتة سرورا كثيرا وصليا ما شاء الله تعالى .
فلما كان آخر الليل ناما فرأت المرأة فى منامها كأنها دخلت الجنة وشاهدت منابر كثيرة مصفوفة وكراسى منصوبة . فقالت : ما هذه المنابر وما هذه الكراسى ؟ فقيل لها : هذه منابر الأنبياء وهذه كراسى الصديقين والصالحين ، فقالت : وأين كرسى زوجى فلان ؟
فقيل لها : هذا ، فنظرت إليه فإذا على جانبه ثلم ( شرخ) ، فقالت : ما هذا الثلم ؟ فقيل لها : هذا ثلم الياقوتة النازلة عليكما من سقف بيتكما ، فانتبهت من منامها وهى باكية حزينة على نقصان كرسى زوجها بين كراسى الصديقين . فقالت أيها الرجل ادع ربك أن يرد هذه الياقوتة إلى موضعها فمكابدة الجوع والمسكنة فى الأيام القلائل أهون من ثلم كرسيك بين أصحاب الفضائل . فدعا الرجل ربه فإذا الياقوتة قد طارت صاعدة إلى السقف وهما ينظران اليها . ومازال على فقرهما وعبادتهما حتى لقيا الله عز وجل .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق