(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )
حكاية الرجل السارق
حكى ان رجلا كثر عليه الديون وضاق عليه الحال فترك اهله وعياله وخرج هائما على وجهه ، ولم يزل سائرا إلى أن أقبل بعد مدة على مدينة عالية الأسوارعظيمة البنيان، فدخلها وهو فى حالة الذل والانكسار وقد اشتد به الجوع وأتعيه السفر ، فمر فى بعض شوارعها فرأى جماعة من الأكابر متوجهين فذهب معهم إلى أن دخلوا فى محل يشبه محل الملوك ، فدخل معهم ، ولم يزالوا داخلين إلى أن انتهوا إ لى رجل جالس فى صدر المكان وهو فى هيئة عظيمة ، وجلالة جسيمة ، وحوله الغلمان والخدم كأنه من أبناء الوزراء . فلما رآهم قام إليهم وأكرم مثواهم ، فأخذ الرجل المذكور الوهم من ذلك الأمر ( استعجب الرجل )والدهشة مما رآه من حسن البنيان والخدم والحشم ، فتأخر إلى ورائه (جلس فى مكان بعيد عنهم ) وهن فى حيرة وكرب خائفا على نفسه حتى جلس فى محل وحده بعيدا عن الناس بحيث لا يراه أحد .
فبينما هو جالس إذ أقبل رجل ومعه كلاب من كلاب الصيد وعليهم أنواع القز الديباج وفى اعناقهم أطواق من الذهب بسلاسل الفضة ، فربط كل واحد منها فى محل منفرد له ، ثم غاب وأتى كل كلب بصحن من الذهب ملآن من الاطعمة الفاخرة ووضع لكل واحد صحنه على انفراده، ثم مضى وتركها ، فصار هذا الرجل ينظر إلى الطعام من شدة جوعه ويريد أن يتقدم إلى كلب منها ويأكل مع فيمنعه الخوف منها .
ثم إن كلبا منها نظر إليه فألهمه الله تعالى معرفة حاله فتأخر عن الصحن وأشار إليه فأقبل وأكل حتى اكتفى وأراد أن يذهب ، فأشار إليه الكلب أن يأخذ الصحن بما فيه لنفسه وألقاه له بيده ، فأخذه وخرج من الدار وسار ولم يتبعه أحد ثم سافر إلى مدينة أخرى فباع الصحن وأخذ بثمنه بضائع وتوجه بها إلى بلده فباع ما معه وقضى ما كان عليه من الديون وكثر رزقه وصار فى نعمة زائدة وبركة عميمة ، ولم يزل مقيما فى بلده مدة من الزمان ، وبعد ذلك قال فى نفسه : لابد أننى أسافر إلى بلد صاحب الصحن وآخذ له هدية مليحة لائقة وأدفع له ثمن الصحن الذى أنعم على به كلب من كلابه . ثم إنه أخذ هدية تليق به وأخذ معه ثمن الصحن وسافر ، ولم يزل مسافرا أياما وليالى حتى وصل ألى تلك المدينة ، فدخلها وأراد الاجتماع به ، فمشى فى شوارعها حتى أقبل على محله فلم ير إلا طللا باليا (مكان مهجور) وغرابا ناعيا ، وديارات قد أقفرت ، وحالا قد تنكرت ، فارتجف منه القلب والبال ، وأنشد قول من قال :
خلت الزوايا من خباياها كما خلت القلوب من المعارف والتقى
وتنكر الوادى فمـــــا غزلانه تلك الظبـــاء ولا الـــنقا ذاك النقا
ثم إن ذلك الرجل لم شاهد تلك الأطلال البالية ، ورأى ما صنعت بها أيدى الدهر علانية ، ولم يجد بعد العين إلا الأثر الذى أغناه الخبر عن الخبر ، والتفت فرأى رجلا مسكينا فى حالة تقشعر منها الجلود ، ويحن أليه الحجر الجلمود ، فقال : يا هذا ما صنع الدهر والزمان ، بصاحب هذا المكان ، وأين بدوره السافرة ، ونجومه الزاهرة ، وما سبب الحادث الذى حدث على بنيانه ، حتى لم يبق فيه غير جدرانه ؟ .
فقال له : هو هذا السكين الذى تراه ، وهو يتأوه مما عراه ، ولكن أما تعلم أن فى كلام الرسول عبره لمن به اقتدى ، وموعظة لمن به اهتدى ، حيث قال : إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه ، فان كان سؤالك عما لهذا الأمر من سبب ، فليس فى انقلاب الدهر عجب ، أنا صاحب هذا المكان ومنشئه ومالكه وبانيه ، وصاحب بدوره السافرة ، وأحواله الفاخرة ، وتحفه الزاهية ، وجواريه الباهية ، لكن الزمان قد مال ، فأذهب الخدم والمال ، وثيرنى فى هذه الحالة الراهنة ، ودهمنى بحوادث كانت عنده كامنة ، لكن لابد لسؤالك هذا من سبب ، فأخبرنى عنه واترك العجب .
فأخبره الرجل بجميع القصة ، وهو فى ألم وغصة ، وقال له : قد جئتك بهدية فيها النفوس ترغب ، وثمن صحنك الذى أخذته من الذهب ، فأنه كان سببا لغناى بعد الفقر ، ولعمار ربعى وهو قفر ، ولزوال ما كان عندى من الهم والحصر . فهز الرجل رأسه وبكى ، وأن وأشتكى ، وقال : يا هذا أظنك مجنونا فإن هذا الأمر لا يكون من معاقل كيف يتكرم عليك كلب من كلابنا بصحن من الذهب وأرجع أنا فيه ، فرجوعى فيما تكرم به كلبى من العجب ، ولو كنت فى أشد الهم والوصب ، والله لا يصل إلى منك شئ يساوى قلامة ، فامض من حيث جئت بالصحة والسلامة . فقبل الرجل قدمية ، وانصرف راجعا يثنى عليه ، ثم إنه عند فراقه ووداعه أنشد هذا البيت :
ذهب الناس والكلاب جميعا فعلى الناس والكلاب السلام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق