(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )
حكاية الرجل الحشاش
قالت شهرزاد : حكى أنه كان فى أوان الحج والناس فى الطواف ،فبينما المطاف مزدحم بالناس وإذا بإنسان متعلق بأستار الكعبة وهو يقول من صميم قلبه : "أسألك يا الله أنها تغضب على زوجها حتى تطعمنى ". فسمعه جماعة من الحجاج فقبضوا عليه وأتوا به إلى أمير الحاج بعد أن أشبعوه ضربا وقالوا له :" أيها الأمير إنا وجدنا هذا فى الأماكن الشريفة يقول كذا وكذا "، فأمر أمير الحاج بشنقه ، فقال له : "أيها الأمير بحق الرسول -صل الله عليه وسلم - أن تسمع قصتى وحديثى وبعد ذلك فافعل بى ما تريد ". قال : "تحدث ".
قال : "اعلم أيها الأمير أننى رجل حشاش ( حشيش الارض ( اكل الغنم ))أعمل فى مسالخ الغنم فاحمل الدم والوسخ إلى الكيمان ، فاتفق أننى كنت رائحا بحمارى يوما من الأيام وهو محمل فوجدت الناس هاربين ؟ ، فقال واحد منهم : "ادخل هذا الزقاق لئلا يقتلوك "، فقلت : "وما للناس هاربين ؟" فقال لى واحد من الخدام : "هذه حريم لبعض الأكابر ". وصار الخدم ينحون الناس من الطريق قدامها ويضربون جميع الناس ولا يبالون بأحد .
فدخلت بالحمار عطفة ووقفت أنتظر انفضاض الزحمة ، فرأيت الخدم وبأيديهم العصى ومعهم نحو ثلاثين امرأة وبينهم واحدة كأنها قضيب بان ، أو غزال عطشان ، كاملة الحسن والظرف والدلال والجميع فى خدمتها ، فلما وصلت إلى باب العطفة التى أنا واقف بها التفتت يمينا وشمالا ثم دعت بطواشى ، فحضر بين يديها ، فسارته فى أذنه . وإذا بالطواشى جاء إلى وقبض على فتهاربت الناس ، وإذا بطواشى آخر أخذ حمارى ومضى به ، ثم جاء الطواشى وربطنى بحبل وجرنى خلفه وأنا لم أعرف ما الخبر والناس من خلفنا يصيحون ويقولون : "ما يحل من الله ، هذا رجل حشاش فقير الحال ، ما سبب ربطه بالحبال ؟ "ويقولون للطاواشية : "ارحموه يرحمكم الله وأطلقوه ". فقلت أنا فى نفسى : "ما أخذنى الطواشية إلا لأن سيدتهم شمت رائحة الوسخ فاشمأزت من ذلك أو حصل لها ضرر ٍفلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، وما زلت ماشيا خلفهم إلى أن وصلوا إلى باب دار كبيرة فدخلوا وأنا خلفهم ، واستمروا داخلين بى حتى وصلت إلى قاعة كبيرة ما أعرف أصف محاسنها ، وهى مفروشة بفرش عظيم ، ثم دخلت النساء تلك القاعة وأنا مربوط مع الطواشى ،فقلت فى نفسى : "لا بد أنهم يعاقبوننى فى هذا البيت حتى أموت ولا يدرى بموتى أحد" ، ثم بعد ذلك أدخلونى حماما لطيفا من داخل القاعة .
فبينما أنا فى الحمام وإذا بثلاثة خدام دخلوا وقعدوا حوالى وقالوا لى : "اقلع حوائجك وما عليك من الخلقان "، وصار واحد منهم يحك رجلى وواحد مهم يغسل رأسى وواحد منهم يكيسنى ، فلما فرغوا من ذلك حطوا لى بقجة قماش وقالوا لى : "البس هذه ". فقلت : "والله ماأعرف كيف ألبس ". فتقدموا إلى وألبسونى وهم يتضاحكون على .
ثم جاؤوا بقماقم مملوءة بماء الورد ورشوا على وخرجت معهم إلى قاعة أخرى والله ما أعرف كيف أصف محاسنها من كثرة ما فيها من النقش والفرش ،فلما دخلت تلك القاعة وجدت واحدة قاعدة على تخت من الخيزران وقوائمه من عاج وبين يديها جملة جوار ، فلما رأتنى قامت إلى نادتنى ، فجئت عندها فأمرتنى بالجلوس ، فجلست إلى جانبها وأمرت الجوارى أن يقدمن الطعام، فقدمن لى طعاما فاخرا من جميع الألوان ما أعرف ما اسمه ولا صفته فى عمرى ، فأكلت منه على قدر كفايتى .
وبعد رفع الزباد وغسل الأيادى أمرت بإحضار الفواكه ، فحضرت بين يديها فى الحال ، فأمرتنى بالأكل ، فأكلت . فلما فرغنا من الأكل أمرت بعض الجوارى بإحضار الشراب ، فأحضرن شيئا مختلف الألوان ، ثم أطلقن المباخر وأدرن كؤوس الشراب إلى أن أقبل الليل . فسألتنى عن مكانى ، فقلت : "فى المحل الفلانى "، فأمرت بخروجى وأعطتنى منديلا مطرزا بالذهب والفضة وعليه شئ مربوط ، ففرحت وقلت فى نفسى : "إن كان ما عليه خمسة فلوس فإنها تكفى لغدائى فى هذا اليوم "،ثم خرجت من عنده كأنى خارج من الجنة وجئت عند الصباح إلى المخزن الذى أنا فيه ففتحت المنديل فوجدت فيه خمسين مثقالا من الذهب ،فدفنتها وقعدت عند الباب بعد أن اشتريت بفلسين خبزا وإداما .
ثم صرت متفكرا فى أمرى ، فبينما أنا كذلك إلى وقت العصر وإذا بخادم قد أتى وقال لى : "إن سيدتى تطلبك" ، فخرجت معه إلى باب الدار واستأذن على بالدخول ، فدخلت وقبلت الأرض بين يديها . فأمرتنى بالجلوس وأمرت بإحضار الطعام والشراب على العادة ، ثم ناولتنى منديلا ثانيا فيه خمسون مثقالا من الذهب ، فأخذتها وخرجت وجئت إلى المخزن ودفنتها ، ومكثت على هذه مدة ثمانية أيام أدخل إليها فى كل يوم وآكل وأخرج وقد كسبت خمسين دينارا . فبينما أن آكل ثامن يوم وإذا بجاربة دخلت وهى تجرى وقالت لى : "قم اطلع إلى هذه الطبقة "، فطلعت فى تلك الطبقة فوجدتها تشرف على الطريق ، فينما أنا جالس وإذا بضجة عظيمة ودبدبة خيل فى الزقاق وكان فى الطبقة طاقة تشرف على الباب ، فنظرت منها فرأيت شابا راكبا كأنه القمر الطالع ليله تمامه وبين يديه مماليك وجند يمشون فى خدمته ، فتقدم إلى الباب وترجل ودخل القاعة ، فرآها قاعدة على السرير ، فقبل الأرض بين يديها ثم قبل يديها فلم تكلمه ، فما برح يتخضع لها حتى صالحها .
فلما أصبح الصباح أتته الجنود وخرج من الباب ، فأمرت حينئذ بإحضارى وقالت لى : "أرأيت هذا الرجل أمس" . قلت لها :" نعم ". قالت :" هو زوجى ولكن احكى لك ما جرى لى معه : "اتفق أننى كنت أنا وإياه يوما قاعدين فى الجنينة داخل البيت وإذا هو قد قام من جانبى وغاب عنى ساعة طويلة فاستبطأته وفتشت عليه فلم أجده فدخلت المطبخ فرأيت جارية فسألتها عنه ، فأرتنى إياه وهو يغرف الطبيخ بأصبعه من القدر ويبلعه كالملهوف ، فعند ذلك حلفت يمينا معظمة أنى لا بد أن آكل مع أوسح الناس وأقذرهم ، ويوم قبض عليك الطواشى كان لى أربعة أيام أدور فى البلد على واحد يكون بهذه الصفة فما وجدت أحدا أوسخ ولا أقذر منك فطلبتك وقد خلصت من اليمين التى حلفتها ، فمتى عاد زوجى إلى فعله مرة أخرى أعدتك إلى ما كنت عليه" .
ثم إنها أمرت بخروجى من عندها وقد تحصل لى منها أربعمائة مثقال من الذهب وأنا أصرف منها ، وجئت إلى ههنا أدعو الله سبحانه وتعالى أن زوجها يعود إلى سوء أدبه مرة أخرى على أعود ما كنت عليه من الرفاهية والعيش الرغد ، فلما سمع أمير الحاج قصة ذلك الرجل أطلقه وقال للحاضرين : "بالله عليكم أن تدعوا له فإنه معذور" .
وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق