(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )
حكاية إسكندر ذى القرنين مع قوم ضعفاء
حكى أن إسكندر ذا القرنين اجتاز فى سفره بقوم ضعفاء لا يملكون شيئا من أسباب الدنيا وقد حفروا قبور موتاهم على أبواب دورهم . وكانوا فى كل وقت يتعهدون تلك القبور ، ويكنسون التراب عنها وينظفونها ويزورونها ويعبدون الله تعالى فيها وليس لهم طعام إلا الحشيش ونبات الارض ، فبعث إليهم إسكندر ذو القرنين رجلا يستدعى ملكهم إليه فلم يجبه ، وقال : ما لى إليه حاجة فسار ذو القرنين إليه وقال : كيف حالكم وما أنتم عليه فإنى لا أرى لكم شيئا من ذهب ولا فضة ولا أجد عندكم شيئا من نعيم الدنيا ؟ فقال له : إن نعيم الدنيا لا يشبع منه أحد ، فقال له إسكندر : لم حفرتم القبور على أبوابكم .
فقال : لتكون نصب أعيننا فننظر إليها ونجدد ذكر الموت ولا ننسى الآخرة ويذهب حب الدنيا من قلوبنا فلا نشتغل بها عن عبادة ربنا تعالى . فقال إسكندر : كيف تأكلون الحشيش .؟ قال : لأنا نكره أن نجعل بطوننا قبورا للحيوانات ، ولأن لذة الطعام لا تتجاوز الحلق .
ثم مد يده فأخرج قحفا من رأس آدمى فوضعه بين يدى إسكندر وقال له : يا ذا القرنين أتعلم من كان صاحب هذا ؟ قال : لا ، قال : كان صاحبه ملكا من ملوك الدنيا فكان يظلم رعيته ويجور عليهم وعلى الضعفاء ويستفزع زمانه فى جمع حطام الدنيا فقبض الله روحه وجعل النار مقره وهذا رأسه . ثم مد يده ووضع قحفا آخر بين يديه وقال له : أتعرف هذا . قال : لا ، قال : هذا كان ملكا من ملوك الأرض وكان عادلا فى رعيته شفوقا على أهل ولايته وملكه . فقبض الله روحه وأسكنه جنته ورفع درجته . ووضع يده على رأس ذى القرنين ، وقال : ترى أنت أى هذين . فبكى ذو القرنين بكاء شديدا وضمه إلى صدره وقال له : إن أنت رغبت فى صحبتى سلمت إليك زوارتى وقاسمتك فى مملكتى . فقال الرجل : هيهات هيهات ما لى رغبة فى هذا ، فقال له إسكندر : ولم ذلك ؟ قال : لأن الخلق كلهم أعداؤك بسبب المال والملك الذى أعطيته وجميعهم أصدقائى فى الحقيقة بسبب القناعة والصعلكة ،لأننى ليس لى ملك ولا أطمع فى الدنيا ولا لى إليها طلب ولا لى فيها أرب ، وليس لى ألا القناعة فحسب .فضمه إسكندر إلى صدره وقبله بين عينيه وانصرف .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق