24.8.15

حكاية أبى حسان والوديعة(الـــــــــف ليلـــــــــة وليلــــــــــة


الـــــــــف ليلـــــــــة وليلــــــــــة


حكاية أبى حسان والوديعة

    قالت شهرزاد : يحكى أن أبا حسان الزيادى قال : ضاق على الحال فى بعض الأيام ضيقا شديدا حتى أنه قد ألح على البقال والخباز وسائر المعاملين فاشتد على الكرب ولم أجد لى حيلة .
     فبينما أنا على تلك الحالة لا أدرى كيف أصنع إذ دخل على غلام لى فقال : " إن بالباب رجلا يطلب الدخول عليك ". فقلت :" ائذن له " . فدخل فإذا هو رجل خراسانى ، فسلم على فرددت عليه السلام ، ثم قال لى :" هل أنت  أبو حسان الزيادى ؟" قلت نعم ، وما حاجتك ؟" قال :" إنى رجل غريب وأريد الحد ومعى جملة من المال ووأ،ه قد أثقلنى حمله وأريد أن أودع عندك هذه العشرة الآلآف الدرهم إلى أن أقضى حجى وأرجع ، فإن رجع الركب ولم ترنى فاعلم أننى قد مت فالمال هبة منى إليك . وإن رجعت فهى لى ". فقلت له :" لك ذلك إن شاء الله تعالى ". فأخرج جرابا ، فقلت للغلام ائتنى بميزان فأتى بميزان ، فوزنها وسلمها إلى وذهب إلى حال سبيله .
     فأحضرت العاملين وقضيت دينى وأنفقت واتسعت وقلت فى نفسى :" إلى أن يرجع يفتح الله علينا بشئ من عنده ". فلما كان بعد يوم دخل الغلام على وقال لى :" إن صاحبك الخراسانى بالباب ". فقلت :"ائذن له " ، فدخل ثم قال : " إنى كنت عازما على الحج فجاءنى خبر بوفاة والدى وقد عزمت على الرجوع فأعطنى المال الذى أودعتك إياه بالأمس "، فلما سمعت هذا الكلام حصل لى هم عظيم لم يحصل لأحد مثله قط . وتحيرت فلم أرد جوابا ، فإن جحدته استحلفنى وكانت الفضيحة فى الآخرة ، وإن أخبرته بالتصرف فيه صاح وهتكنى ، فقلت له : " عافاك الله إن منزلى هذا ليس بحصين ولا حرز لذلك المال ، وإنى لما أخذت جراباك أرسلته إلى من هو عنده الآن ، فعد إلينا فى الغذ لتأخذه إن شاء الله تعالى ". فانصرف عنى وبت متحيرا من أجل رجوع الخراسانى إلى ، فلم يأخذنى نوم فى تلك الليلة ولم أقدر على غمض عينى فقمت للغلام وقلت له :" اسرج لى البغلة" .فقال :" يا مولاى إن هذا الوقت عتمة ولم يمض من الليل شئ "، فرجعت إلى فراشى فإذا النوم ممتنع ، فلم أزل أوقظ الغلام وهو يردنى حتى طلع الفجر , فأسرج لى البغلة ، فركبت وأنا لا أدرى أين أذهب ، فطرحت عنان البغلة على عاتقها وصرت مشغولا بالفكر والهموم وهى تسير إلى الجانب الشرفى من بغداد .
     فبينما أنا سائر وإذا أنا بقوم قد رأيتهم فانحرفت عنهم وعدلت عن طريقهم إلى طريق أخرى فتبعونى ، فلما رأونى بطيلسان تبادروا إلى وقالوا لى :" أترعف منزل أبى حسان الزيادى ؟" فقلت له :"هو أنا " . قالوا " أجب أمير المؤمنين " ، فسرت معهم حتى دخلت على المأمون فقال لى : " من أنت ؟" قلت :" رجل من أصحاب القاضى أبى يوسف من الفقهاء وأصحاب الحديث ". فقال :" بأى ش تكنى ؟" قلت :" بأبى حسان الزيادى ". قال :" اشرح لى قصتك "، فشرحت له خبرى ، فبكى بكاء شديدا وقال :" ويحك ما تركنى رسول الله _ صل الله عليه وسلم _ أنا فى هذه الليلة بسببك ك، فإنى لما نمت أول الليل قال لى : "أغث أبا حسان الزيادى ، فانتبهت ولم أعرفك ، ثم نمت فأتانى وقال لى : " ويحك أغث أبا حسان الزيادى ، فما تجاسرت علي النوم بعد ذلك وسهرت الليل كله وقد أيقظت الناس وأرسلتهم فى طلبك من كل جانب ". ثم أعطانى عشرة الآف درهم وقال :"هذه للخراسانى ". ثم أعطانى ألف درهم وقال :" جهز نفسك بهذه وإذا كان يوم الموكب فأتنى حتى أقلدك عملا "،فخرجت والمال معى فجئت إلى منزلى فصليت فيه الغداة، وإذا بالخرسانى قد حضر ، فأدخلته البيت وأخرجت له بدرة  وقلت له :"هذا مالك ". قال :" ليس هذا عين مالى "، فقلت:" نعم " . فقال :" ما سبب هذا ؟" قصصت عليه القصة . فبكى وقال :" والله لو صدقتنى من أول الأمر ما طالبتك وأنا الآن والله لا أقبل شيئا من هذا المال وأنت فى حل منه ", وانصرف من عندى .
      ثم أصلحت أمرى وذهبت فى يوم الموكب إلى باب المأمونم فدخلت عليه وهو جالس فلما مثلت بين يديه استدنانى وأخرج لى عهدا من تحت مصلاه وقال :" هذا عهد بقضاء المدينة الشريفة من الجانب الغربى من باب السلام إلى ما لا نهاية له ، وقد أجريت لك كذا وكذا فى كل شهر ، فاتق الله عز و جل وحافظ على عناية رسول الله –صل الله عليه وسلم – بك ". فتعجب الناس من كلامه وسألونى عن معناه ، فأخبرتهم بالقصة أولها إلى آخرها . فشاع الخبر بين الناس ، ومازال أبو حسن قاضيا فى المدينة الشريفة إلى أن مات فى أيام المأمون.
وهنا ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق