26.8.15



الـــــــــف ليلـــــــــــة و ليلــــــــــــة



حكـــــايــــة علــــى الأعجمــــى


     قالت شهرزاد : حكى أن هارون الرشيد قلق ليلة من الليالى فاستدعى بوزيره حضر بين يديه قال له : " يا جعفر أنى قلقت الليلة قلقا عظيما وضاق صدرى ، واريد منك شيئا يسر خاطرى وينشرح به صدرى "، فقال له جعفر :" لى صديق اسمه على الأعجمى وعنده من الحكايات والأخبار المطربة ما يسر النفس ، ويزيل عن القلب البؤس " ، فقال :" على به "، فقال : " سمعا وطاعة " ، ثم إن جعفرا خرج من عند الخليفة فى طلب الأعجمى وأرسل إليه ، فلما حضر قال له :" أجب الخليفة أمير المؤمنين "، فقال : "سمعا وطاعة "، ثم توجه معه إلى الخليفة .
     فلما تمثل بين يديه إذن له فى الجلوس فجلس ، فقال له الخليفة ،: " يا على إنه ضاق صدرى فى هذه الليلة ، وقد سمعت عنك أنك تحفظ حكايات وأخبارا ، وأريد منك أن تسعنى ما يزيل همى ويصقل فكرى "، فقال :" يا أمير المؤمنين هل أحدثك بالذى رأيته بعينى أو بالذى سمعته بأذنى ؟" فقال :" إن كنت رأيت شيئا فاحكه "، فقال : " سمعا وطاعة ". اعلم يا أمير المؤمنين أنى سافرت فى بعض السنين من بلدى هذه وهى مدينة بغداد وصحبتى غلام ومعه جراب لطيف ودخلنا مدينة ، فبينما أنا أبيع وأشترى وإذا برجل كردى ظالم متعد قد هجم على وأخذ منى الجراب وقال :" هذا جرابى وكل ما فيه متاعى :" فقلت :" يا معشر المسلمين خلصونى من يد أفجر الظالمين " ، فقال الناس جميعا :" اذهبا إلى القاضى ٍ، واقبلا حكمه بالتراضى "، فتوجهنا إلى القاضى ، وأنا بحكمه راضى ، فلما دخلنا عليه ، وتمثلنا بين يديه ، قال القاضى :" فى أى شئ جئتما وما خبركما ؟" فقلت :" نحن خصمان إليك تداعينا ، وبحكمك تراضينا ".
     فتقدم الكردى وقال :" أيد الله مولانا القاضى ، إن هذا الجراب جرابى وكل ما فيه متاعى ، وقد ضاع منى ووجدته مع هذا الرجل ". فقال القاضى :" ومتى ضاع منك ؟" فقال الكردى :" من أمس هذا اليوم ، وبت لفقده بلا نوم " ، فقال القاضى : " إن كنت عرفته فصف لى ما فيه "، فقال الكردى : " فجرابى هذا مردوان من لجين ، وفيه أكحال للعين ، ومنديل لليدين ، ووضعت فيه شربتين مذهبتين ، وشمعدانين ، وهو مشتمل على بيتين ، وطبقين ، وملعقتين ، ومخدة ونطعين ، وإبريقين ، وصينية وطشتين ، وقدرة وزلعتين ، ومغرفة ومسلة ومزودين ، وهرة وكلبتين ، وقصعة وقعيدتين وجبة وفروتين ، وبقرة وعجلين ، وعنزة وشاتين ،ونعجة وسخلين ، وصيوانين أخضرين ، وجمل وناقتين ، وجاموسة وثورين ، ولبؤة وسبعين ، ودبة وثعلبين ، ومرتبة وسريرين ، وقصر وقاعتين ، ورواق ومقدعين ، ومطبخ ببابين ، وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابى ".
     فقال القاضى :" ما تقول أنت يا هذا ؟ " فتقدمت إليه يا أمير المؤمنين وقد ابهتنى الكردى بكلامه فقلت : " أعز الله مولانا القاضى إن ما فى جرابى هذا إلادويرة خراب وأخرى بلا باب ، ومقصورة للكلاب وفيه للصبيان كتاب ، وشباب يلعبون بالكعاب، وفيه خيام وأطناب ،ومدينة البصرة وبغداد ، وقصر شداد بن عاد ، وكور حداد ، وشبكة صياد ، وعصى وأوتاد ، وبنات وأولاد ، وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابى ".
     فلما سمع الكردى هذا الكلام بكى وانتحب وقال : " يا مولانا القاضى إن جرابى هذا معروف ، وكل ما فيه موصوف ، فى جرابى هذا حصون وقلاع ، كراكى وسباع ، ورجال يلعبون الشطرنج والرقاع ، وفى جرابى هذا حجرة ومهران ، وفحل وحصانان ، ورمحان طويلان ، وهو مشتمل على سبع وأرنبين ، ومدينة وقريتين ، وأعمى وبصيرين ، وأعرج وكسيحين ، وقاض وشاهدين ، وهم يشهدون أن الجراب جرابى ".
     فقال القاضى : " ما تقول يا على ؟ " فمتلأت غيظا يا أمير المؤمنين وتقدمت إليه وقلت :" أيد الله مولانا القاضى إن فى جرابى هذا زرد وصفاح ،و خزائن سلاح ، وألف كبش نطاح ، وفيه للغنم مراح ، وألف كلب نباح ، وبساتين وكروم ، وأزهار ومشموم ، وتين وتفاح ، وصور وأشباح ، وقنانى وأقداح ، وعرائس ملاح ، ومغنيات وأفراح  ، وهرج وصياح ، وأقطار فساح ، وأخوة نجاح، ورفقة صباح ، ومعهم سيوف ورماح ، وقسى ونشاب ، وأصدقاء وأحباب ، وخلان وأصحاب ومحابس للعقاب ، وندماء للشراب ، وطنبور ونايات ، وأعلام ورايات ، وصبيان وبنات ، وعرائس مجليات ، وجوار مغنيات ، وخمس حبشيات ، وثلاث هنديات ، وأربع مدنيات ، وعشرون جرجييات ،و الدجلة والفرات ، وشبكة صياد ، وقداحة وزناند ، وإرم ذات العماد ، وميادين واصطبلات ، ومساجد وحمامات ، وبناء ونجار ، وخشبة ومسمار ، وعبد أسود بمزمار ، ومقدم وركبدار ، ومدن وأمصار ، ومائة ألف دينار ، والكوفة مع الأنبار ، وعشرون صندوقا ملآنة بالقماش ، وعشرون حاصلا للمعاش ، وغزة عسقلان ، ومن ديماط إلى أسوان ، وإيوان كسرة أنوشروان ، وملك سليمان ، ومن وادى نعمان إلى أرض خراسان ، وبلخ وأصبهان ، ومن الهند إلى بلاد السوادن ، وفيه أطال الله عمر مولانا القاضى ، غلائل و عراض ، وألف موسى ماض ، تحلق ذقن القاضى ، إن لم يخش عقابى ، ولم يحكم بأن الجراب جرابى ".
     فلما سمع القاضى كلامى تحير عقله من ذلك وقال :" ما أراكما إلا شخصين نحسين أو رجلين زنديقين ، تلعبان بالقضاة والحكام ، ولا تخشيان من الملام ، لأنه ما وصف الواصفون ، ولا سمع السامعون ، بأعجب مما وصفتما ، ولا تكلم بمثل ما تكلمتما ، والله إن من الصين إلى شجرة أم غيلان ، ومن بلاد فارس إلى أرض السودان ، ومن وادى نعمان إلى أرض خراسان ، لا يسمع ما ذكرتماه ، ولا يصدق ما ادعيتماه ، فهل هذا الجراب بحر ليس له قرار ، أو يوم العرض الذى يجمع الأبرار والفجار؟".
     ثم إن القاضى أمر بفتح الجراب ، ففتحه وإذا فيه خبز وليمون ، وجبن وزيتون ، ثم رميت الجراب قدام الكردى ومضيت ، فلما سمع الخليفة هذه الحكاية من على الأعجمى استلقى على قفاه من الضحك وأحسن جائزته .

     وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق