حكاية الرجل الحاج مع العجوز
(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )
ثم إنها مضت معه وتبعها الكلب فاصطادت من الحيات بقدر الكفاية وجعلت تشوى منها ، فلم ير الرجل الحاج من الأكل بدا وخاف من الجوع والهزال فأكل من تلك الحيات ثم إنه عطش فطلب من العجوز ماء ليشرب فقالت له دونك العين فاشرب منها ، فمضى إلى العين فوجد ماءها مرا ، ولم يجد له من شربه بدا مع شدة مرارته لم لحقه من العطش فشرب ثم عاد إلى العجوز وقال لها : عجبا منك أيتها العجوز ومن مقامك بهذا الموضع ومكثك فى هذا المكان واغتذائك بهذا الطعام وشربك من هذا الماء .
قالت له العجوز : فكيف تكون بلادكم ؟ قال لها : إن بلادنا الدور الواسعة الرحبة والفواكه اليانعة اللذيذة والمياه الغزيرة العذبة والأطعمة الطيبة واللحوم السمينة والغنم الكثيرة وكل شئ طيب والخيرات الحسان اللاتى لا يكون مثلهن إلا فى الجنة التى وصفها الله تعالى لعبادة الصالحين، فقالت العجوز : قد سمعت هذا كله فقل لى هل يكون لكم من سلطان يحكم عليكم ويجور فى حكمه وأنتم تحت يده وإن أذنب أحد منكم أخذ أمواله وأتلفه ، وإذا أراد أخرجكم من بيوتكم واستأصل شأفتكم ، فقال لها الرجل : قد يكون ذلك ، فقالت العجوز : إذا ولله يكون ذلك الطعام اللطيف والعيش الظريف والنعم اللذيذة مع الجور والظلم سما ناقعا وتعود أطعمتنا مع الأمن ترياقا نافعا ، أما سمعت أن أجل النعم بعد الإسلام الصحة والأمن ، وإنما يكون هذا من عدل السلطان خليفة الله فى أرضه حسن سياسته ، وكان من تقدم من السلاطين يحب أن يكون له أدنى هيبة بحيث إذا رأته الرعية خافوه ، وسلطان هذا الزمان يحب أن يكون له أوفى سياسة وأتم هيبة لأن الناس الآن ليسوا كالمتقدمين ، وزماننا هذا زمان ذوى الوصف الذميم ، والخطب الجسيم ، حيث اتصفوا بالسفاهة والقساوة ، وانطووا على البغضاء والعداوة ، وإذا كان السلطان والعياذ بالله تعالى بينهم ضعيفا او غير ذى سياسة وهيبة فلا شك فى أن ذلك يكون سببا لخراب البلاد .
وفى الأمثال : جور السلطان مائة سنة ولا جور الرعية بعضهم على بعض سنة واحدة ، وإذا جارت الرعية سلط الله عليهم سلطانا جائرا وملكا قاهرا كما ورد فى الأخبار : أن الحجاج بن يوسف رفعت إليه فى بعض الأيام قصة مكتوب فيها : اتق الله ولا تجر على عباد الله كل الجور . فلما قرأ القصة رقى المنبر وكان فصيحا فقال : أيها الناس إن الله تعالى سلطنى عليكم بأعمالكم فإن أنا مت فأنتم لا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيئة لأن الله تعالى خلق أمثالى خلقا كثيرا ، وإذا لم أكن أنا كان من هو أكثر منى شرا وأعظم جورا وأشد سطوة ، كما قال الشاعر فى معنى ذلك :
وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظــــالم إلا سيبلى بأظـــــلم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق