17.8.15

حكاية عمر بن الخطاب مع الشاب(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )



(الـــــف ليــــــــلة وليـــــــــلة )


حكاية عمر بن الخطاب مع الشاب


حكى الشريف حسين بن ريان أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان جالسا فى بعض الأيام للقضاء بين الناس والحكم بين الرعايا وعنده أكابر أصحابه من أهل الرأى والإصابة ، فبينماهو جالس إذ أقبل عليه شاب من أحسن الشباب نظيف الثياب وقد تعلق به شابان من أحسن الشباب وقد جذبه الشابان من طوقه وأوقفاه بين يدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فنظر أمير المؤمنين إليهما وإليه فأمرهما بالكف عنه وأدناه منه وقال للشابين : ما قصتكما معه ؟ فقالا : يا أمير المؤمنين نحن أخوان شقيقان ، وباتباع الحق حقيقان، كان لنا أب شيخ كبير ، حسن التدبير معظم فى القبائل منزه عن الرذائل ، معروف بالفضائل ، ربانا صغارا ، وأولانا مننا كبارا ، جم الناقب و المفاخر ، حقيق بقول الشاعر : 
قالوا أبوالصقر من شبيان قلت لهم             كلا لعمرى ولكن منه شيبان 
فكم أبت قد علا بابن ذرى شرف               كما علب برسول الله عدنان 

    فخرج يوما إلى حديقة له ليتنزه في أشجارها ، ويقتطف يانع أثمارها ، فقتله هذا الشاب وعدل عن طريق الرشاد ، ونسألك القصاص بما جناه الحكم فيه بما أمر الله .
    فنظر عمر إلى الشاب نظرة مرهبة وقال له : قد سمعت من هذين الغلامين الخطاب فما تقول أنت فى الجواب ؟ وكان ذلك الغلام ثابت الجنان ، جرئ اللسان ، قد خلع ثياب الهلع ، ونزع لباس الجزع ، فتبسم وتكلم بأفصح لسان ، وحيا أمير المؤمنين بكلمات حسان ثم قال : والله يا أمير المؤمنين لقد وعيت ما ادعياه ، وصدقا فيما قالاه ، حيث أخبرا بما جرى وكان أمر الله قدرا مقدورا ، ولكن سأذكر قصتى بين يديك ، والأمر فيه إليك . 
    اعلم يا أمير المؤمنين أنى من صميم العرب العرباء ، الذى هم أشرف من تحت الجرباء ، نشأت فى منازل البادية ، فأصابت قومى سود السنين العادية ، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد ، بالأهل والمال والولد ، وسلكت بعض طرائقها ، إلى المسير بين حدائقها ، بنياق كريمات لدى ، عزيزات على ، بينهن فحل ، كريم الأصل ، كثير النسل ، مليح الشكل ، يمشى بينهن كأنه ملك عليه تاج ، فندت بعض النياق إلى حديقة أبيهم وقد ظهر من الحائط شجرها ، فتناولته بمشفرها ، فطردتها تلك الحديقة ، وإذا بشيخ من خلال الحائط قد ظهر ، وزفير غيظه يرمى بالشرر ، وفى يده اليمنى حجر ، وهو كالليث إذا سقط بجانبى آنست أن قلبى قد توقدت فيه جمرات الغضب ، فتناولت ذلك الحجر بعينه ، وضربه فكأن سببا لحينه ، ولقى سوء منقلبه ، ولامرء مقتول بما قبل به ، وعندما أصبته بالحجر صاح صيحة عظيمة وصرخ صرخة أليمة ، فأسرعت بالسير من مكانى ، فأسرع هذان الشابان وأمسكانى ، وإليك أحضرانى وبين يديك أوقفانى . 
    فقال عمر -رضى الله تعالى عنه -: قد اعترفت لما اقترفت وتعذر الخلاص ، ووجبت القصاص ، ولات حين مناص . فقال الشاب : سمعا وطاعة لما حكم به الإمام وارتضيت بما اقتضه شريعة الأسلام ، ولكن لى أخ صغير ، كان له أب كبير ، خصه قبل وفاته بمال جزيل ، وذهب جليل ، وسلم أمره إلى ، وأشهد الله على ، وقال : هذا لأخيك عندك ، فاحفظه جهدك ، فأخذت ذلك المال منه ودفنته ، فلا أحد يعلم به إلا أنا فإن حكمت الآن بقتلى ذهب المال وكنت أنت السبب فى ذهابهووطالبك الصغير بحقه ، يوم يقضى الله بين خلقه ، وإن أنت انتظرتنى ثلاثة أيام أقمت من يتولى أمر الغلام وعدت وافيا بالذمام ، ولى من يضمننى على هذا الكلام . فأطرق أمير المؤمنين برأسه ، ثم نظر إلى من حضر وقال : من يقوم لى بضمانه والعود إلى مكانه ؟ فنظر الغلام إلى وجوه من فى المجلس وأشار إلى أبى ذر دون الحاضرين وقال : هذا يكفلنى ويضمننى .وقال عمر _رضى الله عنه _ يا أبا ذر أسمعت هذا الكلام وتضمن لى حضور هذا الغلام ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين أضمنه إلى ثلاثة أيام ، فرضى بذلك وأذن للغلام فى الانصراف ، فلما انقضت مدة الإمهال ، وكاد وقتها أن يزول أو زال ، ولم يحضر الشاب إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر ، وأبو ذر قد حضر والخصمان ينتظران فقالا : أين الغريم يا أبا ذر ، كيف رجوع من فر ؟ ولكن نحن لا نبرح من مكاننا ، حتى تأتينا به للأخذ بثأرنا ، فقال أبو ذر : وحق الملك العلام إن انقضت الثلاثة أيام ولم يحضر الغلام وفيت بالضمان ، وسلمت نفسى للإمام ، فقال عمر -رضى الله عنه- : والله إن تأخر الغلام ، لأقضين فى أبى ذر ما اقتضته شريعة الإسلام .
    فهملت عبرات الحاضرين ، وارتفعت زفرات الناظرين ، وعظم الضجيج فعرض أكابر الصحابة على الشابين أخذ الدية ، واغتنام الأثنية ، فأبيا ولم يقبلا شيئا إلا الأخذ بالثأر . فبينما الناس يموجون ويضجون تأسفا على أبى ذر إذ أقبل الغلام ، ووقف بين يدى الإمام ، وسلم عليه بأحسن سلام ، ووجهه مشرق يتهلل ، وبالعرق يتكلل ، وقال له : قد أسلمت الصبى إلى أخواله ، وعرفتهم بجميع أحواله ، وأطلعتهم على ماكان من ماله ، ثم اقتحمت هاجرة الحر ، ووافيت وفاء الحر . فتعجب الناس من صدقه ووفائه وإقدامه على الموت واجترائه ، فقال له بعضهم : ما أكرمك من غلام ، وأوفاك بالعهد والذمام . فقال الغلام : أما تحققتم أن الموت إذا حضر لا ينجو منه أحد ، إنما وفيت كى لا يقال ذهب الوفاء من الناس . فقال أبو ذر : والله يا أمير المؤمنين لقد ضمنت هذا الغلام ولم أعرفه من أى قوم ، ولا رأيته قبل ذلك اليوم ، ولكن لما أعرض عمن حضر وقصدنى وقال : هذا يضمننى ويكفلنى ، ولم أستحسن رده ، وأبت المروءة أن تخيب قصده إذ ليس فى إجابة القصد من بأس ، كى لا يقال ذهب الفضل من الناس . فعند ذلك قال الشابان : يا أمير المؤمنين قد وهبنا لهذا الشاب دم أبينا حيث بدل الوحشة بالإيناس ، كى لا يقال ذهب المعروف من الناس . واستبشر الإمام بالعفو عن الغلام ، وصدقه ووفائه بالذمام ، واستكبر مروءة أبى ذر دون جلسائه ، واستحسن عمل الشابين فى اصطناع المعروف وأثنى عليهما ثناء الشاكر ، وتمثل بقول الشاعر : 
من يصنع الخير بين الخلق يجز به                     لا يذهب الخير بين الله والناس 
ثم عرض عليهما أن يصرف إليهما دية أبيهما من بيت المال ، فقالا : إنا عفونا عنه ابتغاء وجه الله الكريم المتعالى ، ومن نيته كذا لا يتبع إحسانه منا ولا أذى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق