25.8.15

حكاية المرأة الصالحة فى الكعبة مع بعض السادة (الـــــــــف ليلــــــــــة و ليلــــــــــــــة



الـــــــــف ليلــــــــــة و ليلــــــــــــــة



حكاية المرأة الصالحة فى الكعبة مع بعض السادة

     

     قالت شهرزاد : حكى أن بعض السادة قال : بينما أنا اطوف بالكعبة فى ليلة مظلمة إذ سمعت صوتا ذا حنين ، ينطق عن قلب حزين ، وهو يقول ، يا كريم ، لطفك القديم ، فإن قلبى على العهد مقيم . فتطاير قلبى لسماع ذلك الصوت تطايرا أشرفت منه على الموت . فقصدت نحوه فإذا صاحبته امرأة فقلت : السلام عليك يا أمة الله ، فقالت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، فقلت : أسألك بالله العظيم ما العهد الذى قلبك عليه مقيم ؟ فقالت : لولا قسمك بالجبار ، ما أطلعتك على الأسرار ، انظر ما بين يدى ، فنظرت فإذا بين يديها صبى نائم يغط فى نومه ، فقالت : خرجت وأنا حامل بهذا الصبى لأحج هذا البيت فركبت فى سفينة فهالت علينا الأمواج واختلفت علينا الرياح وانكسرت بنا السفينة فنجوت على لوح منها ووضعت هذا الصبى وأنا علي ذلك اللوح .
     فبينما هو فى حجرى والأمواج تضربنى إذ وصل إلى رجل من ملاحى السفينة وحصل معى وقال لى : والله لقد كنت أهواك وأنت فى السفينة والآن قد حصلت معك فمكنيني من نفسك وإلا قذفتك فى البحر ، فقلت : ويحك أما كان لك مما رأيت تذكرة وعبرة ؟ فقال : إنى رأيت مثل ذلك مرارا ونجوت وأنا لا أبالى ، فقلت : يا هذا نحن فى بلية نرجو السلام منها بالطاعة لا بالمعصية . فألح على فخفت منه وأردت أن أخادعه ، فقلت له : مهلا حتى ينام الطفل ، فإخذه من حجرى وقذفه فى البحر فلما رأيت جرأته وما فعل بالصبى طار قلبى وزاد كربى ، فرفعت رأسى إلى السماء وقلت : يا من يحول بين المرء وقلبه حل بينى وبين هذا الأسد إنك على كل شئ قدير . فوالله ما فرغت من كلامى إٍلا ودابة طلعت من البحر فاختطفته من فوق اللوح وبقيت وحدى وزاد كربى وحزنى وإشفاقا على ولدى فأنشدت وقلت :
قرة العين حبيبى ولــــــدى               ضاع حيث الوجد أوهى جلدى
وأرى جسما غريقا وغدت                بالتياع الوجد تشوى كبـــــدى
ليس لى فى كربتى من فرج              غير إلطافـــــك يــــا معتمــــد
أنت يا ربى ترى ما حل بى                   من غرامــــى بفراقى ولدى
فجمع الشمل وكن لى راحما                فرجائى فيك أقوى عددى
فبقيت على تلك الحالة يوما وليلة ، فلما كان الصباح بصرت بقلاع سفينة تلوح من بعد فما زالت الأمواج تقذفنى والرياح تسوقنى حتى وصلت إلى تلك السفينة التى كنت أرى قلاعها . فأخذنى أهل السفينة ووضعونى فيها . فنظرت فإذا ولدى فيهم فتراميت عليه وقلت : يا قوم هذا ولدى فمن أين كان لكم ؟ قالوا : بينما نحن نسير فى البحر إذ حبست السفينة فإذا دابة كأنها المدينة وهذا الصبى على ظهرها يمص إبهامه فأخذناه .
     فلما سمعت منهم ذلك حدثتهم بقصتى وما جرى لى وشكرت لربى على ما أنالنى وعاهدته على أن لا أبرح بيته ولا أنثنى عن خدمته وما سألته بعد ذلك شيئا إلا أعطانيه .
     فمددت يدى إلى كيس النفقة وأردت أن أعطيها ، فقالت : إليك عنى يا بطال أفأحدثك بأفضاله وكرم فعاله وآخذ الرفد على يد غيره ؟ فلم أقدر على أن تقبل منى شيئا فتركتها وانصرفت من عندها وأنا أنشد هذه الأبيات :
وكم لله من لطف خــــــــفى          يدق خفاه عن فهم الذكى
 وكم يسر أتى من بعد عسر         وفرج لوعة القلب الشجى
وكم هم تعانـــــية صبــــاحا          فتعقبه المـسرة بالعشــــى
إذا ضاقت بك الأسباب يوما          فثق بالواحد الصمد العلى
تشفع بالنبى فكــــل عبــــــد          ينــــال إذا تشفـــع بالنبـــى

     وما زالت فى عبادة ربها ملازمة بيته إلى أن أدركها الموت .

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق