26.8.15

حكمة وذكاء جارية



الــــــــــف ليلـــــــــــة وليلــــــــــــة 


حكاية الملك كسرى أنو شروان مع الجارية



     قالت شهرزاد : ومما يحكى أن الملك العادل كسرى أنوشروان ركب يوما إلى الصيد فانفرد عن عسكره خلف ظبى ، فبينما هو ساع خلفه إذ رأى ضيعة قريبة منه وكان قد عطش عطشا شديدا ، فتوجه إلى تلك الضيعة وقصد باب دار قوم فى طريقه فطلب ماء ليشرب ، فخرجت له صبية فأبصرته ثم عادت إلى البيت وعصرت له عودا واحدا من قصب السكر ومزجت ما عصرته منه بالماء ووضعته فى قدح ووضعت عليه شيئا من الطيب يشبه التراب ، ثم سلمته إلى أنوشروان ، فنظر فى القدح فرأى فيه شيئا يشبه التراب ، فجعل يشرب منه قليلا قليلا حتى انتهى إلى آخره .
     ثم قال للصبية : " أيتها الصبية نعم الماء ما أحلاه لولا ذلك القذى الذى فيه فإنه كدره " فقالت الصبية :" أيها الضيف ، أنا عمدا ألقيت فيه ذلك القذى الذى كدره ". فقال الملك : " ولم فعلت ذلك ؟".
     فقالت :" لأنى رأيتك شديد العطش وخفت أن تشربه نهلة واحدة فيضرك فلو لم يكن فيه قذى لكنت شربته بسرعة نهلة واحدة وكان يضرك لشربه على هذه الطريقة ". فتعجب الملك العادل أنوشروان من كلامها وذكاء عقلها وعلم أن ما قالته ناشئ عن ذكاء وفطنة وجودة عقل.
     فقال لها :" من كم عود عصرت ذلك الماء ؟".  
     فقالت :"من عود واحد "، فتعجب أنوشروان وطلب جريدة الخراج الذى يحصل من تلك القرية فرأى خراجها قليلا فأضمر فى نفسه أنه إذا عاد إلى تخته يزيد فى خراج تلك القرية وقال :"قرية يكون فى عود واحد منها هذا الماء كيف يكون خراجها هذا القدر القليل ؟".
     ثم أنه انصرف عن تلك القرية إلى الصيد وفى آخر النهار رجع إليها واجتاز على ذلك الباب منفردا وطلب الماء ليشرب ، فخرجت له تلك الصبية بعينها فرأته فعرفته ،ثم عادت لتخرج له الماء فأبطأت عليه فاستعجلها أنوشروان وقال  :" لأى شئ أبطأت ؟".
     فقالت له :" لأنه لم يخرج من عود واحد قدر حاجتك فعصرت ثلاثة أعواد ولم يخرج منها مثل ماكان يخرج من عود واحد ".

     فقال الملك أنوشروان :" ما سبب ذلك ؟". فقالت :" سبب أن نية السلطان قد تغيرت "، فقال لها :"من أين جاءك هذا ؟" فقالت :"سمعنا من العقلاء إذا تغيرت نية السطان على قوم زالت بركتهم وقلت خيراتهم "، فضحك أنوشروان وأزال من نفسه ما كان أضمر لهم عليه وتزوج الصبية حالا حيث أعجبه فرط ذكائها وفطتنها وحسن كلامها .

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق