أفقــــر ملــــوك العـالـــم
يحكى أن رجلا صالحا فى بنى إسرائيل مشهور بالعبادة وكان مستجاب الدعاء وكان
يتجول بالنهار ويقيم الليل وفى فترة من الفترات حدث له ملل وفتورولم يكن يعبد الله
كما كان ، ونتيجة ذلك لم يعد مستجاب الدعاء ولم يعد قريبا من الله ، فحزن حزنا
شديدا على ما وصل إليه وفى يوم من الأيام نام الرجل ورأى فى منامه : إن شئت أن يرد
الله عليك ما كنت عليه فاقصد الملك الفلانى فى بلد كذا وكذا وأسأله أن يدعوا لك
فأن الله سبحانه وتعالى يرد عليك ما كنت فيه ببركة دعواته الصالحات .
فسار الرجل حتى وصل إلى البلدة
التى ذكرت له فى المنام ، فسأل عن الملك فدلوه عليه ، فسار إلى قصره فوجد عند باب
القصر غلام جالس على كرسى عظيم وعليه كسوة هائلة ، فوقف الرجل وسلم فرد عليه
السلام وقال : ما حاجتك ؟ قال : أنا رجل مظلوم وقد جئت الملك أرفع قصتى إليه ،
قال:لا سبيل لك اليوم عليه لأنه قد جعل لأهل المظالم يوم محدد فى الأسبوع ، فارجع
ثم تعالى فى هذا اليوم ، فتعجب الرجل من هذا الأمر ، وقال : كيف يكون هذا وليا من
أولياء الله وهو على مثل هذه الحال ؟ وذهب ينتظر اليوم الذى قيل له عليه .
فلما كان ذلك اليوم الذى ذكره
البواب دخلت فوجدت عند الباب أناسا ينتظرون الإذن لهم فى الدخول ، فوقفت معهم إلى
أن خرج وزير عليه ثياب هائلة وبين يديه خدم وعبيد ، فقال : لتدخل أرباب المسائل ،
فدخلوا ودخلت فى الجملة ، فإذا الملك جالس وبين يديه أرباب مملكته فوقف الوزير
وجعل يقدم واحدا بعد واحدا ، حتى جاء دورى ، فلما قدمنى الوزير نظر الملك إلى وقد
عرفنى وقال لى أنت من رأيت المنام ، فأجلس حتى أفرغ إليك .
فتحيرت من قوله واعترفت بمرتبته
وفضله : فلما قضى بين الناس وفرغ منهم فانصرف الناس والوزير والجميع ، ثم أخذ
الملك بيدى وأدخلنى إلى قصره فوجدت على باب القصر عبدا أسود عليه ثياب هائلة وفوق
رأسه أسلحة وعن يمينه وشماله دروع وقصى . فقام إلى الملك وسارع لأمره وقضاء حوائجه
، ثم فتح باب القصر فدخل الملك ويدى بيده ، فإذا بباب قصير ، ففتحه الملك بنفسه
ودخل إلى خربة وبناء هائل ثم دخل إلى بيت ليس فيه إلا سجادة وقدح للوضوء وشئ من
الخوص . ثم خلع ثيابه التى كانت عليه ولبس جبة خشنة من الصوف الأبيض وجعل على رأسه
قلنسوة من لبد ، ثم جلسنا ونادى : يا
فلانة لزوجته . فقالت له : لبيك ، قال له : أتدرين من ضيفنا فى هذا اليوم ؟ قالت :
نعم ، فقال لها : اخرجى لا عليك منه . فإذا هى امرأة كأنها الخيال ووجهها يتلألأ
كالهلال وعليها جبة صوف وقناع .
فقال الملك : يا أخى أتريد أن
تعرف خبرنا أو ندعو لك فتنصرف ؟ قال : بل أريد أن أسمع خبركما فإنه الأشوق إلى ،
فقال الملك : إنه كان آبائى وأجدادى يتداولون المملكة ويتوارثونها كابرا عن كابر
إلى أن ماتوا ووصل الأمر إلى ، فبغض الله ذلك لى فأردت أن أسيح فى الأرض وأترك أمر
الناس لأنفسهم ، ثم إنى خفت عليهم من دخول
الفتنة وتضييع الشرائع وتشتيت شمل الدين فتركت الأمر على ما كان عليه وجعلت لكل
رأس منهم جراية بالمعروف ولبست ثياب الملك وأقعدت العبيد على الأبواب إرهابا لأهل
الشر إقامة للحدود . فإذا فرغت من ذلك كله دخلت منزلى ولبست ما ترى وهذه ابنة عمى
وفقتنى على الزهادة وساعدتنى على العبادة ، فنعمل من هذا الخوص بالنهار ما نفطر به
عند الليل ، وقد مضى علينا ونحن على هذه الحالة نحو أربعين سنة ، فأقم معنا ،
يرحمك الله ، حتى نبيع خوصنا وتفطر معنا وتبيبت عندنا ثم تنصرف بعد ذلك بحاجتك إن
شاء الله تعالى .
فلما كان آخر النهار أتى غلام
ودخل فأخذ ما عملاه من الخوص وسار به إلى السوق فباعه بقيراط واشترى به خبزا وفولا
وأتى بهما فأفطرت معهما ونمت عندهما فقاما من نصف الليل يصليان ويبكيان . فلما كان
السحر قال الملك : اللهم إن هذا عبدك يطلب منك أن تقضى له حاجته وأنت على ذلك قدير ، اللهم أره إجابته ، وأمنت
المرأة ، فإذا الله قد استجاب الدعاء فقال لى : البشارة ، فودعتهما وانصرفت ، فأنا
بعد ذلك لا أسأل الله تعالى بحرمتها شيئا إلا أجابنى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق