3.9.15

من طرائف هارون الرشيدى (طرائف العرب)


هارون الرشيدى والمهرج


يحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد قلق ليلة من الليالى قلقا شديدا ، فقال لوزيره جعفر بن يحى البرمكى :" إنى أرقت فى هذه الليلة وضاق صدرى ، ولم أعرف كيف أصنع ؟" وكان خادمه مسرور واقفا أمامه فضحك ، فقال له الخليفة :" مم تضحك ، أتضحك استخفافا بى أم جنونا منك ؟" فقال :" لا والله يا أمير المؤمنين وحق قرابتك من سيد المرسلين ما فعلت ذلك باختيارى ، ولكننى خرجت بالأمس أتمشى بظاهر القصر حتى وصلت إلى شاطئ دجلة فرأيت الناس مجتمعين فوقفت فرأيت رجلا يضحك الناس يقال له : ابن القاربى ، فتذكرت الآن كلامه فغلب على الضحك وأطلب منك العفو يا أمير المؤمنين " فقال الخليفة :" على به فى هذه الساعة ".
     فخرج مسرور مسرعا إلى أن وصل إلى ابن القاربى ، وقال له : أجب أمير المؤمنين فقال : "سمعا وطاعة "، فقال له مسرور :" ولكن بشرط أنك إذا دخلت عليه وأنعم عليك بشئ يكون لك فيه الربع والبقية لى ، فقال له ابن القاربى : " بل لك النصف ولى النصف " فقال له مسرور :" لا ، فقال له ابن القاربى :" لك الثلثان ولى الثلث ، فأجبه مسرور إلى ذلك بعد جهد جهيد ثم قام معه .
     فلما دخل على أمير المؤمنين حياه بتحية الخلافة ووقف بين يديه ، فقال له أمير المؤمنين : إذا أنت لم تضحكنى ضربتك بهذا الجراب ثلاث مرات " فقال ابن القاربى فى نفسه : وما عسى أن تكون ثلاث ضربات بهذا الجراب مع أن ضرب السياط لا يضرنى ، وظن أن الجراب فارغ . ثم تكلم بكلام يضحك المغتاظ وأتى بأنواع السخرية فلم يضحك أمير المؤمنين ولم يبتسم ، فتعجب ابن القاربى منه وضجر وخاف .

     فقال أمير المؤمنين : " الآن استحققت الضرب "، ثم أخذ الجراب وضربه مرة ، وكان فيه أربع زلطات ، كل زلطة زنتها رطلان ، فوقعت الضربة فى رقبته فصرخ صرخة عظيمة وتذكر الشرط الذى بينه وبين مسرور فقال : العفو يا أمير المؤمنين اسمع منى كلمتين ، قال له : قل ما بدا لك ، فقال : "إن مسرورا شرط على شرطا واتفقت معه عليه ، وهو إن ما حصل لى من إنعام أمير المؤمنين يكون لى منه الثلث وله الثلثان , وما أجابنى بذلك إلا بجهد عظيم ، فالآن لم تنعم على إلا بالضرب وهذه الضربة من نصيبى والضربتان الباقيتان نصيبه ، فلما سمع أمير المؤمنين كلامه ضحك بشدة حتى كاد ان يفقد الوعى من كثرة الضحك ودعا مسرور فضربه ضربة ، فصاح وقال :" يا أمير المؤمنين يكفينى الثلث وأعطه الثلثين " . فضحك عليهما وأمر لكل واحد منهما بألف دينار وانصرفا مسرورين بما أنعم عليهما الخليفة .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق