الوزير وبائع الفول
حكاية كرم جعفر البرمكى مع بائع الفول
يحكى أن جعفرا البرمكى لما
صلبه هارون الرشيد أمر بصلب كل من نعاه أو رثاه ، فكف الناس عن ذلك ، فاتفق أن
أعرابيا كان ببادية بعيدة وفى كل سنة يأتى بقصيدة إلى جعفر البرمكى المذكور فيعطيه
ألف دينار جائزة على تلك القصيدة ، فيأخذها وينصرف ويستمر ينفق منها على عياله إلى
آخر العام ، فجاءه ذلك الأعرابى بالقصيدة على عادته ، فلما جاء وجد جعفر مصلوبا ،
فجاء إلى المحل الذى هو مصلوب فيه وأناخ راحلته وبكى بكاء شديدا وحزن حزنا عظيما
وأنشد القصيدة ونام ، فرأى جعفرا البرمكى فى المنام يقول له : " إنك قد أتعبت
نفسك وجئتنا فوجدتنا على ما رأيت ، ولكن توجه إلى البصرة واسأل عن رجل اسمه كذا
وكذا من تجار البصرة وقل له : " إن جعفرا البرمكى يقرئك السلام ويقول لك :
أعطنى ألف دينار بإمارة الفولة ".
فلما انتبه الأعرابى من نومه
توجه إلى البصرة فسأل عن ذلك التاجر واجتمع به وبلغه ما قاله جعفر فى المنام ،
فبكى التاجر بكاء شديدا حتى كاد يفارق الدنيا ، ثم إنه أكرم الأعرابى وأجلسه عنده
وأحسن مثواه ومكث عنه ثلاثة أيام مكرما ، ولما أراد الانصراف أعطاه ألفا وخمسمائة
دينار وقال له :" الألف هى المأمور لك بها والخمسمائة إكرام منى إليك ولك فى
كل سنة ألف دينار ". وعندما حان انصراف الأعرابى قال للتاجر :" بالله
عليك أن تخبرنى بخبر الفولة حتى أعرف أصلها ". فقال له :" إنى كنت فى
ابتداء الأمر فقير الحال أطوف بالفول الحار فى شوارع بغداد وأبيعه حيلة على المعاش
، فخرجت فى يوم بارد ماطر وليس على بدنى ما يقينى من البرد ، فتارة أرتعد من شدة
البرد ، وتارة أقع فى ماء المطر ، وأنا فى حالة كريهة تقشعر منها الجلود ، وكان
جعفر فى ذلك اليوم جالسا فى قصر مشرف على الشارع وعنده خواصه ، فوقع نظره على فرق
لحالى وأرسل إلى بعض أتباعه فأخذنى إليه وأدخلنى عليه ، فلما رآنى قال لى : "
بع ما معك من الفول على طائفتى ".
فأخذت أكيله بمكيال كان معى ،
فكل من أخذ كيلة فول يملأها ذهبا ، حتى فرغ جميع من معى ولم يبق فى القفى شئ ، ثم
جمعت الذهب الذى حصل لى على بعضه ، فقال لى :" هل بقى معك شئ من الفول
؟" قلت :" لا أدرى "، ثم فتشت القفة فلم أجد فيها سوى فولة واحدة ،
فأخذها منى جعفر وفلقها نصفين ، فأخذ نصفها وأعطى النصف الثانى لإحدى نسائه وقال
:" بكم تشترين نصف هذه الفولة ؟" فقالت : " بقدر هذا الذهب مرتين
"، فصرت متحيرا فى أمرى وقلت فى نفسى : هذا محال .
فبينما أنا متعجب وإذا بالمرأة
أمرت بعض جواريها فأحضرت ذهبا قدر الذهب المجتمع مرتين ، فقال جعفر :" وأنا
أشترى النصف الذى أخذته بقدر الجميع مرتين ". ثم قال لى جعفر :" خذ ثمن
فولك "، وأمر بعض خدامه فجمع المال كله ووضعه فى قفتى فأخذته وانصرفت ، ثم
جئت إلى البصرة واتجرت بما معى من المال فوسع الله على ولله الحمد والمنة ، فإذا
أعطيتك كل سنة ألف دينار من بعض إحسان ما ضرنى شئ فانظر مكارم أخلاق جعفر والثناء
عليه حيا وميتا ، رحمة الله تعالى عليه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق