12.9.15

الوزير وبائع الفول



الوزير وبائع الفول


حكاية كرم جعفر البرمكى مع بائع الفول



     يحكى أن جعفرا البرمكى لما صلبه هارون الرشيد أمر بصلب كل من نعاه أو رثاه ، فكف الناس عن ذلك ، فاتفق أن أعرابيا كان ببادية بعيدة وفى كل سنة يأتى بقصيدة إلى جعفر البرمكى المذكور فيعطيه ألف دينار جائزة على تلك القصيدة ، فيأخذها وينصرف ويستمر ينفق منها على عياله إلى آخر العام ، فجاءه ذلك الأعرابى بالقصيدة على عادته ، فلما جاء وجد جعفر مصلوبا ، فجاء إلى المحل الذى هو مصلوب فيه وأناخ راحلته وبكى بكاء شديدا وحزن حزنا عظيما وأنشد القصيدة ونام ، فرأى جعفرا البرمكى فى المنام يقول له : " إنك قد أتعبت نفسك وجئتنا فوجدتنا على ما رأيت ، ولكن توجه إلى البصرة واسأل عن رجل اسمه كذا وكذا من تجار البصرة وقل له : " إن جعفرا البرمكى يقرئك السلام ويقول لك : أعطنى ألف دينار بإمارة الفولة ".
     فلما انتبه الأعرابى من نومه توجه إلى البصرة فسأل عن ذلك التاجر واجتمع به وبلغه ما قاله جعفر فى المنام ، فبكى التاجر بكاء شديدا حتى كاد يفارق الدنيا ، ثم إنه أكرم الأعرابى وأجلسه عنده وأحسن مثواه ومكث عنه ثلاثة أيام مكرما ، ولما أراد الانصراف أعطاه ألفا وخمسمائة دينار وقال له :" الألف هى المأمور لك بها والخمسمائة إكرام منى إليك ولك فى كل سنة ألف دينار ". وعندما حان انصراف الأعرابى قال للتاجر :" بالله عليك أن تخبرنى بخبر الفولة حتى أعرف أصلها ". فقال له :" إنى كنت فى ابتداء الأمر فقير الحال أطوف بالفول الحار فى شوارع بغداد وأبيعه حيلة على المعاش ، فخرجت فى يوم بارد ماطر وليس على بدنى ما يقينى من البرد ، فتارة أرتعد من شدة البرد ، وتارة أقع فى ماء المطر ، وأنا فى حالة كريهة تقشعر منها الجلود ، وكان جعفر فى ذلك اليوم جالسا فى قصر مشرف على الشارع وعنده خواصه ، فوقع نظره على فرق لحالى وأرسل إلى بعض أتباعه فأخذنى إليه وأدخلنى عليه ، فلما رآنى قال لى : " بع ما معك من الفول على طائفتى ".
     فأخذت أكيله بمكيال كان معى ، فكل من أخذ كيلة فول يملأها ذهبا ، حتى فرغ جميع من معى ولم يبق فى القفى شئ ، ثم جمعت الذهب الذى حصل لى على بعضه ، فقال لى :" هل بقى معك شئ من الفول ؟" قلت :" لا أدرى "، ثم فتشت القفة فلم أجد فيها سوى فولة واحدة ، فأخذها منى جعفر وفلقها نصفين ، فأخذ نصفها وأعطى النصف الثانى لإحدى نسائه وقال :" بكم تشترين نصف هذه الفولة ؟" فقالت : " بقدر هذا الذهب مرتين "، فصرت متحيرا فى أمرى وقلت فى نفسى : هذا محال .

     فبينما أنا متعجب وإذا بالمرأة أمرت بعض جواريها فأحضرت ذهبا قدر الذهب المجتمع مرتين ، فقال جعفر :" وأنا أشترى النصف الذى أخذته بقدر الجميع مرتين ". ثم قال لى جعفر :" خذ ثمن فولك "، وأمر بعض خدامه فجمع المال كله ووضعه فى قفتى فأخذته وانصرفت ، ثم جئت إلى البصرة واتجرت بما معى من المال فوسع الله على ولله الحمد والمنة ، فإذا أعطيتك كل سنة ألف دينار من بعض إحسان ما ضرنى شئ فانظر مكارم أخلاق جعفر والثناء عليه حيا وميتا ، رحمة الله تعالى عليه . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق